السيد كمال الحيدري
36
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
ملاحظة لا ريب أنّ هناك تفاعلًا متبادلًا بين طبيعة الفكر العقدي وبين اتجاهات السلوك الاجتماعي حيث يملى الفكر العقدي تأثيرات مباشرة على الفكر الاجتماعي ، وسلوك المجتمعات الإسلامية ليس بعيداً عمّا تتبنّاه من عقائد وأفكار تدخل في تكوين رؤيتها إزاء الكون والوجود والحياة ، كما لا يمكن أن يكون سلوك المجتمعات الغربية منفصلًا عن رؤيتها الفلسفية للكون والوجود والحياة ، على رغم ما يشاع في ثقافة الغربيّين من ذمّ للآيديولوجيا وتنصّل عن الايديولوجيات وما يقال من اعتماد نهضة القوم على العلم والعقل وإفرازاتهما فحسب ، إذ إنَّ هذا التوجّه المركّز إلى العلم والعقل والإعلاء من شأنهما في الحضارة الغربية جاء متأثّراً بلا شكّ برؤية فلسفية تنظّر لهذا الاتجاه . بقدر ما يتعلّق الأمر بمقولة التقدّم والتخلّف بمعناهما المدني ، لا شكّ أنّ لطبيعة الرؤية العقَديّة التي تصدر منها المجتمعات الإسلامية والمجتمعات الغربية تأثيرها على المنحى العملي لهذه المجتمعات ، وأنّ ما يلحظ مع الأسف هو أنّ مجتمعات المسلمين تعيش على صعيد هذه المقولة الرؤية الأشعرية ، فتتعامل مع الطبيعة من حولها وما تزخر به من إمكانات وطاقات بنظرية جبرية تجمّد الفعل الإنسانى إزاء الطبيعة وتصدّه عن المبادرة والاكتشاف والإبداع ؛ فترك آثاراً فظيعة على الواقع الحاضر الذي يعيش فيه المسلمون تخلّفاً مريعاً ينذر بالكارثة ، بينما تعيش المجتمعات الغربية في طبيعة علاقتها مع الطبيعة وما فيها حالة النظرية الاعتزالية التي تؤمن بمبدأ السببيّة ، حيث وهبتهم هذه الفلسفة دفعة إلى الإمام وهى تحثّهم على اكتشاف قوانين العالم في مسار راح يتقدّم باطّراد من دون توقّف ، وهو الأمر الذي ترك أثراً كبيراً على واقعهم الحضارى وما بلغوه . إنّ نسبة المسلمين كلّ شئ إلى الله ( بالمعنى الأشعري ) ساهم في تعطيل